
بمعاونة عالمة الآثار المصرية الدكتورة أميرة سلطان، نفك شيفرة تركيبات العطور المنقوشة على جدران معبد إدفو
*غرفة الوصفات في معبد إدفو:* مختبر العطور في معبد إدفو مساحة صغيرة لا تتجاوز أربعة أمتار في ثلاثة، تقع قبالة الممر الجنوبي للمقدس. لا يبدو المكان مبهراً للوهلة الأولى، وما يجعله أحد أكثر غرف العالم القديم استثنائية هو جدرانه المغطاة بالكامل من الأرض إلى السقف بالوصفات المدونة.
قضينا أربعة أيام هناك رفقة الدكتورة أميرة سلطان، وهي عالمة آثار مصرية عملت على نصوص معابد العصر البطلمي لعقدين من الزمن، في محاولة للإجابة عن سؤال يبدو أبسط بكثير مما هو عليه في الواقع: كيف كانت رائحة هذه التركيبات حقاً؟
النقوش ذات طبيعة إجرائية بحتة؛ فهي تسمي المواد، وتحدد الكميات، وتفصل التسلسل، وتعيين الوعاء والمدة الزمنية اللازمة. وفي شكلها، هي أقرب إلى دستور الأدوية (الفهرس الدوائي) منها إلى القصائد الشعرية، وهو أمر ذو دلالة عميقة: فهذه وثائق عمل حقيقية، نُقشت بصفة دائمة لأن المعرفة كانت أغلى من أن تُترك عُرضة للتلف على أوراق البردي.
نجت عدة وصفات كاملة في إدفو، بما في ذلك نسخ من الكِيفِي (Kyphi) والدهون المقدسة التي كانت تُستخدم لمسح تماثيل الآلهة. وقد أُعطيت الكميات بوحدة "الهين" (Hin) وكسورها، وهي وحدة قياس حجمية تعادل نصف لتر تقريبا، وتتسم النسب باتساق داخلي عبر نصوص سُجلت على مدى قرون متتابعة في معابد مختلفة.
لم تكن هذه تقاليد محلية، بل كانت معياراً موحداً جرى الحفاظ عليه في عموم البلاد طوال فترة زمنية تتجاوز الفاصل الزمني بيننا وبين الإمبراطورية الرومانية.
هنا تبرز الصعوبة الحقيقية؛ فالوصفة تكون مفيدة بمقدار قدرتك على تحديد المواد التي تدرجها، ومفردات العطور المصرية تعاند الترجمة بعناد ملحوظ.
بعض المصطلحات مؤكدة تماماً؛ فكلمة أنتيو (Antyu) تعني المر، أو طائفة من الصموغ الشبيهة بالمر، بينما تعني سنتري (Sntr) اللبان. أما مصطلحات أخرى فمحل جدل يغير النتائج كلياً؛ فمصطلح تي-شپس (Tj-shps) يُترجم أحياناً على أنه كافور، أو قرفة، أو لحاء عطري مجهول لشجرة لم يعد لها وجود في المنطقة. وكلمة نكفيت (Nkftt) قد تكون صمغاً، أو زهرة، أو مستحضراً مركباً بدلاً من كونها مادة خاماً مجردة.
الدكتورة أميرة سلطان حذرة للغاية حيال هذا الأمر على نحو يختلف عن التسهيلات الرائجة في الصحافة الشعبية. إذ أخبرتنا في الممر الخارجي للمختبر قائلة: "يمكننا الوثوق بنسبة ستين بالمائة تقريباً من أي وصفة معينة حسب الوزن. أما الأربعون بالمائة الباقية فتتضمن مواد لو أخطأنا في تقديرها لتغير الطابع العام للعطر كلياً. والترميم النزيه يعترف بذلك صراحة".
حين تعجز المفردات، تتدخل الأفعال لتساعدنا. فالتصوص بالغة الدقة فيما يتعلق بالعمليات، والعملية بحد ذاتها تقيد المادة.
المادة التي تُطحن قبل المزج هي صمغ صلب وليست صمغاً سائلاً. والمادة التي تُترك في النبيذ حتى تنتفخ هي فاكهة مجففة أو لحاء وليست زهرة. أما ما يُضاف في اللحظة الأخيرة بعد أن يبرد الوعاء فهي مادة متطايرة تدمرها الحرارة، وهو ما حصر الاحتمالات في عائلة صغيرة بصرف النظر عما يعنيه اسمها اللفظي.
وهكذا تُجرى عملية الاستنساخ فعلياً: ليس عبر ترجمة قائمة كلمات، بل بالتسائل عن صنف المادة التي ستتسلّك بالطريقة نفسها التي تصفها النصوص. إنها عملية بطيئة، وتنتج نطاقات احتمالية بدلاً من إجابات قاطعة، وهي مع ذلك أكثر موثوقية بكثير من أي بديل آخر.
ثمة قرارات هيكلية عدة في وصفات إدفو لا تقبل الشك، بغض النظر عن الغموض اللفظي.
الصموغ تهيمن وزناً في كل وصفة ودون استثناء؛ فقد صُممت التركيبات لتدوم وتتحرر بفعل حرارة البشرة، أو فوق تمثال دافئ، أو فوق الجمر. المواد الحلية حاضرة دوماً ولكن دون هيمنة؛ فالعسل والفاكهة المجففة يظهران بكميات تستدير بالصموغ وتلطفها بدلاً من تحويلها إلى حلوى مصطنعة. وفي التحضيرات طويلة الأمد، يعد التعتيق أمراً غير قابل للتفاوض، إذ تحدد الوصفات فترات راحة تمتد لأشهر، بينما تتطلب إحداها سنة كاملة.
صانع العطور الذي يقرأ هذا يدرك هيكل العمل فوراً؛ فهو تركيب مصمم حول التثبيت والزمن، وضعه أشخاص فكروا بعمق بالغ في كلا الأمرين.
عُدنا بالكثير من المواد ومعها خلاصة واحدة نزيهة، وهي التي قدمتها الدكتورة أميرة في الظهيرة الأولى وقضينا بقية الأسبوع في تأكيدها.
صُممت وصفات إدفو للغرف لا للمعصم؛ فقد كانت تُحرق، أو تُذاب فوق المصباح، أو تُدهن على الحجر. وإنتاج إحداها كعطر قابل للارتداء ينتج في أفضل الأحوال ترجمة وفي أسوأ الأحوال تحريفاً ومزاعم أصالة لا تدعمها الكيمياء البحتة.
ما أخذناه من على الجدار لم يكن مجرد وصفة، بل مجموعة من النسب، وفلسفة في البناء الهيكلي، وتذكيراً بأن أولئك الذين خطوا تلك الكلمات توقعوا أن تُشم رائحة أعمالهم بعد ألفي عام.
تابع القراءة

كيف طوَّرت حضارة عمرها خمسة آلاف سنة تركيبات عطرية بالغة التعقيد لدرجة تجعل الكيميائيين المعاصرين يكافحون حتى اليوم لتقليدها بدقة

رحلة استكشافية في غابات خشب العود في لاوس وكامبوديا، حيث يُحصد أثمن خشب عطري في العالم بعناية فائقة استثنائية

يفتح صانع العطور الرئيسي محمد حسان أبواب مرسم كِيم ليشاركنا كيف تطلبت أعقد عطورنا ثلاث سنوات ومئتي تجربة حتى بلغ حد الكمال