
يفتح صانع العطور الرئيسي محمد حسان أبواب مرسم كِيم ليشاركنا كيف تطلبت أعقد عطورنا ثلاث سنوات ومئتي تجربة حتى بلغ حد الكمال
*مخاض عطر "أونيكس نايت":* تمتد ورقة تركيبة عطر "أونيكس نايت" على مدى أربع صفحات كاملة. والنسخة التي نطرحها اليوم تحمل الرقم 214. بين التجربة الأولى وتلك النسخة تفصلنا ثلاث سنوات، ومئات من أوراق التجفيف العطرية (البلوتر)، وقرار حاسم اتُخذ بعد مرور ثمانية عشر شهراً بالتخلص من الهيكل العطري بأكمله والبدء من جديد.
كان الموجز يتكون من جملة واحدة فقط، وقد كُتِب قبل وزن أي مادة: رائحة معبد بعد انطفاء النار.
تلك ليست قائمة من النوتات العطرية، بل هي مجموعة من الشروط؛ فشيء ما قد احترق وتوقف عن الاحتراق، وهناك صمغ مستقر في الحجر، ودخان معلق في الهواء بلا لهب، وبرودة متسللة، وبقية من أثر حلو كان موجوداً قبل النار وبقي بعدها. وقد أُخضعت كل تجربة على مدار ثلاث سنوات لتلك الجملة وحدها لا غير.
بُنيت التجارب المبكرة بالطريقة البديهية: اتفاق بخوري في القمة، صموغ في القلب، أخشاب ومواد حيوانية في القاعدة. لبان، فلفل أسود، لابدانو، عود، وفانيليا. كانت رائحتها توحي بالثراء، وبمعايير العطور العادية كانت بعضها جيدة بالفعل.
لكنها كانت خاطئة أيضاً، واستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتسمية سبب الخطأ. فالهرم العطري التقليدي يعلن عن نفسه بالترتيب المعتاد: مشرق، ثم دافئ، ثم عميق. غير أن الغرفة بعد حريق هامد لا تصل رائحتها بهذا الترتيب؛ فالدخان يكون قد تقادم منذ لحظة دخولك، والنفحة الحلوة تكون حاضرة في الخلفية منذ الثانية الأولى وليست مجرد مكافأة لانتظار انقضاء الوقت.
كنا نؤلف عطراً يدور حول النار، بينما كان الموجز يدور حول الصمت الذي يعقبها.
كانت التجربة رقم 96 هي الأخيرة من ذلك الجيل؛ فتوقفنا، وأفرغنا الطاولة، وبدأنا من القاعدة.
بُني الهيكل الثاني بشكل معكوس: القاعدة أولاً، دون إضافة أي شيء فوقها حتى أصبحت القاعدة قادرة وحدها على الثبات ثماني ساعات على البشرة مع الحفاظ على جاذبيتها.
تطلبت تلك القاعدة أربعة أشهر من العمل؛ فهي قائمة على عود لاوسي معتق بتركيز منخفض، ومطلق اللابدانو، وكمية ضئيلة من قطران البتولا لمحاكاة طابع الرماد البارد، والجاوي (البيزوين) لتلك الحلاوة التي يجب أن تكون حاضرة منذ البداية. وقد استهلك ضبط قطران البتولا بالنسب الصحيحة معظم ذلك الوقت، إذ إن زيادة جزء من بالمئة تعني أن الرائحة ستتحول برمتها لتشبه موقد حريق، وهي فكرة مختلفة تماماً وأقل جاذبية بكثير.
بعد ذلك فقط وُلد القلب العطري: مطلق الياسمين المصري، والزعفران، ووردة كان لابد أن تكون حالكة بما يكفي كي لا تضفي إشراقاً يفسد التركيبة. وأخيراً جاءت القمة العطرية بهدوء متعمد: الفلفل الوردي وأثر خفيف من الإليمي، ووجودهما مقصور أساساً على منع الدقائق العشر الأولى من الشعور بالحدة المفاجئة.
معظم التجارب المرقمة لا تختلف عن سابقتها إلا بمادة واحدة عند تركيز مختلف. فالتجارب من 141 إلى 158 هي ذات التركيبة مع تحريك نسب الزعفران بفوارق طفيفة تتراوح بين 0.4% و1.1%. أربع عشرة تجربة من تلك الثماني عشرة تبدو متطابقة تماماً لتقريباً أي شخص، واثنتان منها ليست كذلك، وواحدة فقط هي التي استقرت داخل الزجاجة.
هذا هو الجزء من العمل الذي يظهر سيئاً في الصور ولكنه الأهم إطلاقاً؛ فالعطر لا يُكتشف في لحظة إلهام عابرة، بل يُقترب منه ببطء، على يد شخص مستعد لشم الشيء نفسه أربعين مرة والتحلي بالنزاهة في إدراك الفوارق بينها.
لم تكن التجربة 214 بديهية النهاية بالضرورة؛ فالتجارب من 215 إلى 219 موجودة بالفعل، وهي تختلف بفوارق هامشية ضئيلة ودون أن تكون أي منها أفضل. وما جعل الرقم 214 هو الخيار النهائي هو اختبار نجخده مع كل شيء: إذ يرتدي شخص لم يكن موجوداً في الغرفة أثناء تصنيع العطر التركيبة طوال اليوم، وفي نهايته يُسأل عما تذكره به.
الإجابة التي كنا ننتظرها طوال ثلاث سنوات كانت: مكان سبق لي زيارته من قبل.
تابع القراءة

كيف طوَّرت حضارة عمرها خمسة آلاف سنة تركيبات عطرية بالغة التعقيد لدرجة تجعل الكيميائيين المعاصرين يكافحون حتى اليوم لتقليدها بدقة

رحلة استكشافية في غابات خشب العود في لاوس وكامبوديا، حيث يُحصد أثمن خشب عطري في العالم بعناية فائقة استثنائية

بمعاونة عالمة الآثار المصرية الدكتورة أميرة سلطان، نفك شيفرة تركيبات العطور المنقوشة على جدران معبد إدفو